عبد الملك الجويني
540
نهاية المطلب في دراية المذهب
على الولد ، وليس هو خفي الأثر ، والأجنبية لا تسد مسدّها في ذلك ، والقولان يجريان والأجنبية تحابي وتسامح ، والأم تطلب تمام الأجر . ولا خلاف أن الأم لو كانت تطلب أكثر من أجر مثلها ، فلا يلزم الأب التزام الزائد ؛ إذ لا ضبط له ولا منتهى يوقف عنده ، على أنه غبينة ، وهي غير محتملة في الشرع ، والدليل عليه أن الماء المفروض بثمن مثله يشتريه المسافر ، وإن كان يباع بغبينة ، تحوّل إلى استعمال التراب . 10219 - ثم تولّع الأصحاب رضي الله عنهم بأمرٍ واتفقوا على إجرائه في تفاصيلِ المذهب ، ونحن نذكر ما ذكروه ، فنقول أولاً : إن لم نجد للولد مرضعاً سوى الأم ، تعيّن عليها الإرضاع بالأجر ، ومؤونة الإرضاع على الأب بالاتفاق ؛ فإنا قدمنا أن نفقة الصغير على الأب ، ومؤونة الإرضاع مفتتحُ ما يلتزمه من النفقة ، ولو لم نجد إلا أجنبية ، ألزمناها أن ترضع الولد ، إذا كان في ترك إرضاعه إشفاءُ على الهلاك ، وهذا من إنقاذ الهَلْكَى ، وهو يتعين على من يتمكن منه ، إذا كان لا يوجد غيره ، على ما سنذكر ذلك في تقاسيم فروض الكفايات في كتاب السير ، إن شاء الله . والذي أجراه الأصحاب أن قالوا : إذا وجدنا حاضنة مرضعة أجنبية ، فلا يجب على الأم الإرضاع ، ولكن يلزمها أن ترضعه اللِّبأ ؛ فإن الولد لا يحيا دونه ، وهو أوائل ما ينزل من اللبن . هذا ما رأيته للأصحاب ، ولم أر له تحقيقاً عند أهل البصائر ، وكم من أم تُطْلَقُ وتموت في الطلْق ، فتخلفها حاضنة في الإرضاع ويحيا المولود ، ولكن ما ذكره الأصحاب هو المذهب وعليه التعويل ، وقد يغلب موت ولد المطلوقة ، وإن [ احتضنه ] ( 1 ) مراضع ، وهذا من آثار انقطاع أوائل اللبن ، والعلم عند الله تعالى . وتمام البيان في ذلك أنا لا نشترط فيما نُلزمه من ذلك القطعَ بهلاك المولود ، ولكن إذا ظننا هلاكَه ، وووقعَه في سبب يُفضي إلى الهلاك بدرجة ، فيجب السعي في دفعه ، وإذا ظهر الضرار ، وجب الدفع : فرضَ عين ، أو فرضَ كفاية ، فإن كان منعُ
--> ( 1 ) في الأصل : احتضنها .